الجاحظ
324
الحيوان
فهذه النّحلة ، وإن كانت ذبابة ، فانظر قبل كل شيء في ضروب انتفاع ضروب الناس فيها ، فإنّك تجدها أكبر من الجبل الشامخ ، والفضاء الواسع . وكلّ شيء وإن كان فيه من العجب العاجب ، ومن البرهان النّاصع ، ما يوسّع فكر العاقل ، ويملأ صدر المفكّر ، فإنّ بعض الأمور أكثر أعجوبة ، وأظهر علامة . وكما تختلف برهاناتها في الغموض والظّهور ، فكذلك تختلف في طبقات الكثرة ، وإن شملتها الكثرة ، ووقع عليها اسم البرهان . 1671 - [ رجع إلى سرد سائر أبواب الكتاب ] ولعلّ هذا الجزء الذي نبتدئ فيه بذكر ما في الحشرات والهمج ، أن يفضل من ورقه شيء ، فنرفعه ونتمّه بجملة القول في الظّباء والذئاب ، فإنّهما بابان يقصران عن الطوال ، ويزيدان على القصار . وقد بقي من الأبواب المتوسّطة والمقتصدة المعتدلة ، التي قد أخذت من القصر لمن طلب القصر بحظّ ، ومن الطّول لمن طلب الطّول بحظّ وهو القول في البقر ، والقول في الحمير ، والقول في كبار السّباع وأشرافها ، ورؤسائها ، وذوي النّباهة منها ، كالأسد والنّمر ، والببر وأشباه ذلك ، مما يجمع قوّة أصل النّاب ، والذّرب [ 1 ] ، وشحو [ 2 ] الفم ، والسّبعيّة وحدّة البرثن ، وتمكّنه في العصب ، وشدّة القلب وصرامته عند الحاجة ، ووثاقة خلق البدن ، وقوّته على الوثب . وسنذكر تسالم المتسالمة منها ، وتعادي المتعادية منها ، وما الذي أصلح بينها على السّبعيّة الصّرف ، واستواء حالها في اقتيات اللّحمان ، حتّى ربّما استوت فريستها في الجنس . وقد شاهدنا غير هذه الأجناس يكون تعاديها من قبل هذه الأمور التي ذكرناها . وليس فيما بين هذه السّباع بأعيانها تفاوت في الشّدّة ، فتكون كالأسد الذي يطلب الفهد ليأكله ، والفهد لا يطمع فيه ولا يأكله . فوجدنا التّكافؤ في القوّة والآلة من أسباب التّفاسد . وإنّ ذلك ليعمل في طباع عقلاء الإنس حتّى يخرجوا إلى تهارش السّباع ، فما بالها لم تعمل هذا العمل في أنفس السّباع ؟ !
--> [ 1 ] الذرب : الحدّة . [ 2 ] الشحو : الاتساع .